ابن قيم الجوزية
283
الروح
ونحن إذا سمينا النفس جسما فإنما هو باصطلاحهم وعرف خطابهم ، وإلا فليست جسما باعتبار وضع اللغة ، ومقصودنا بكونها جسما إثبات الصفات والأفعال والأحكام التي دل عليها الشرع والعقل والحس من الحركة والانتقال والصعود والنزول ومباشرة النعيم والعذاب واللذة والألم ، وكونها تحبس وترسل وتقبض وتدخل وتخرج ، فلذلك أطلقنا عليها اسم الجسم تحقيقا لهذه المعاني ، وإن لم يطلق عليها اسم الجسم فالكلام مع هذه الفرقة المبطنة في المعنى لا في اللفظ ، فقول أهل التخاطب والروح والجسم هو بهذا المعنى . فصل [ الوجود ] وأما الشبهة الثانية : فهي أقوى شبههم التي بها يصولون ، وعليها يعولون ، وهي مبنية على أربع مقدمات : إحداها : أن في الوجود ما لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه . الثانية : أنه يمكن العلم به . الثالثة : أن العلم به غير منقسم . الرابعة : أنه يجب أن يكون محل العلم به كذلك ، إذ لو كان جسما لكان منقسما . وقد نازعهم في ذلك جمهور العقلاء وقالوا : لم تقيموا دليلا على أن في الوجود ما لا يقبل القسمة الحسية ولا الوهمية ، وإنما بأيديكم دعاو ولا حقيقة لها ، وإنما أثبتموه من واجب الوجود ، وهو بناء على أصلكم الباطل عند جميع العقلاء من أهل الملل وغيرهم من إنكار ماهية الرب تعالى وصفاته ، وأنه مجرد لا صفة له ولا ماهية ، وهذا قول باينتم به العقول ، وجميع الكتب المنزلة من السماء ، وإجماع الرسل ، ونفيتم به علم اللّه وقدرته ومشيئته وسمعه وبصره وعلوه على خلقه ، ونفيتم به خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وسميتموه توحيدا ، وهو أصل كل تعطيل . قالوا : والنقطة التي استدللتم بها هي من أظهر ما يبطل دليلكم ، فإنها غير منقسمة وهي حالة في الجسم المنقسم ، فقد حل في المنقسم ما ليس بمنقسم . ثم إن مثبتي الجوهر الفرد وهم جمهور المتكلمين ينازعونكم في هذا الأصل ويقولون : الجوهر حال في الجسم ، بل هو مركب منه ، فقد حل في المنقسم ما